تقديم
عام :
إن التلاقح بين
الشريعة الإسلامية و الانفتاح على المواثيق الدولية أثمر مدونة للأسرة وفية لقيمها
و أصالتها و منفتحة على عصرها ، متضمنة لتعديلات جديدة و متشددة في أخرى ،و هذا
يعكس إدراك المشرع المغربي كغيره من التشريعات بالحالة الانتقالية التي يشهدها
العالم عموما و المغرب خصوصا .
و في
إطار بناء دولة مغربية قوية الأساس و صامدة اللبنات ، سار المشرع المغربي إلى
تقوية كبرى ركائزه ألا و هي الأسرة المبنية على عقد الزواج الرابط للزوجين برباط
المحبة و المعاشرة الحسنة على سبيل الدوام و الاستمرار ، على اعتبار أن الأسرة هي
أصل المجتمع و قوامه إذا صلحت صلح سائر أفراد المجتمع ، و إذا فسدت فسد سائر أفراد
المجتمع ،فإن بناء المجتمع هذا المجتمع على أسس متينة و سليمة يبقى مطلبا شرعيا و
إلا فلا داع للإبقاء على ركن أو آيل للسقوط ما دام ترميمه متعثرا ، لذلك شرع الطلاق تلافيا لأي انعكاسات من زواج متهدم
تكون لاستمراره أضرار سلبية على المجتمع عامة
و أفراده خاصة إذا وجد الأولاد .
و قد
كانت الشريعة الإسلامية أولى بالاهتمام بالأسرة من الشرائع و القوانين الأخرى عبر
تأطير قواعدها و أحكامها و بنائها على أسس قوية و مترابطة لا تنفلت عند الصعوبات التي تعترضها بنوع من
التراحم و التسامح و التصالح لتجاوز العقبات التي تهدد استقرارها .
و
وعيا من المشرع المغربي بخطورة النزاع الأسري و حرصه على فضه بأنجع الوسائل تم
تعزيز دور الصلح كآلية قد تحول دون إجراء الطلاق ، لما له من قدرة على صيانة
العلاقات الاجتماعية خاصة تلك الرابطة بين أفراد الأسرة الواحدة و تأثيره عليها و
من تم على المجتمع ككل .
مما
لا شك فيه أن الصلح في الطلاق مسطرة وقائية و علاجية بامتياز ، فهي وقائية من شبح
الطلاق و سلبياته ، و علاجية للنزاع القائم بين الزوجين ، و عليه فالتنصيص على
مسطرة الصلح ضمن مقتضيات مدونة الأسرة يعد مكسبا للأسرة المغربية ، ويعكس الاهتمام
التشريعي بهذه العلاقة الأسرية لاعتبارها ركيزة المجتمع و لبنته الأساسية ، و
مسطرة الصلح هي المحافظة عليها في حال اهتزاز استقرارها و زعزعة كيانها .
المقدمة
إن الزواج في الإسلام نظام إلهي شرع لمصلحة المجتمع وحفظ
كيان الأسرة، وتنظيم الضرورة الدافعة، وهو وحده مناط التمييز بين الشرعي وغير
الشرعي في العلاقات الجنسية ، لأن له قيمة
كبرى في حياة الإنسان وفي وجود الأسرة ككل، ومن وجهة النظر الشرعية، فكلنا أبناء
هذا العقد، والتناسل بغير ذلك معصية والوجود بدونه وجود قلق(1)
،لهذا فهو يعتبر سنة من سنن الله تعالى في الخلق والتكوين، وهي سنة عامة ومطردة لا
يشذ عنها عالم الإنسان أو عالم الحيوان أو عالم النبات:
قال تعالى: " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون
"(2) وقال سبحانه " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبث الأرض ومن أنفسهم ومما لا
يعلمون "(3)
وهو الأسلوب الذي اختاره الله سبحانه وتعالى للتوالد
والتكاثر واستمرار الحياة بعد أن أعد لكل من الزوجين وهيأهما ، حيث يقوم كل منهما
بدور إيجابي في تحقيق هذه الغاية: قال تعالى: " يأيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى "(4)
وقال سبحانه " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلكم
من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء"(5)
فقد عرفت مدونة الأسرة الزواج في المادة الرابعة منها:
" الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته
الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة"
(6)
|
|
إذن فالزواج في الإسلام عقد دائم ينبغي أن يستمر مدى
الحياة، وحرص الإسلام على ذلك واضح لاعتباره هذه الصلة من أقدس الصلات وأوثقها،
يقول الله عز وجل " وأخذن منكم ميثاق غليظا " (1)، لكن عقد الزواج يمكن أن ينحل وينتهي إما بالوفاة ، الذي لا سبيل إلى تفاديه
لأنه إحدى حقائق الحياة، أو بالفسخ أو الطلاق أو التطليق أو الخلع (2)،
لذلك فالإسلام قد حدد مجموعة من الضوابط عند إنشاء عقد الزواج تكفل استمراره وتحول
دون انحلاله، لذلك نجد المادة 70 من مدونة الأسرة التي تؤكد على أنه لا ينبغي
اللجوء إلى حل ميثاق الزوجين إلا استثناءا أي للضرورة القصوى أخذا بقاعدة أخف
للضرر بنا لما في ذلك من تفكيك للأسرة وإضرار بالأطفال، لكن الإسلام حين يتعامل مع
الواقع ، وقد يكون الانفصال هو القرار الوحيد والأمثل تجنيا لأي أضرار يمكن أن تقع
بين الزوجين، فلا بد من احترام الواقع الإنساني فجاء الشرع بطريق وسط يعالج أحوال
الفطرة ويتفاعل مع ظروف حل الأسرة(3).
ويمكن أن تتخذ هذا الانفصال شكل فسخ أو تطليق أو
خلع أو طلاق، هذا الأخير الذي يعتبر موضوع
البحث لا يمكن اللجوء إليه إلا للحاجة الملحة، وما شرعه الله سبحانه وتعالى إلا خدمة
للزواج، لأن هذا الأخير يهدف عيش حياة هنيئة وآمنة تكفل استمرارية الجنس البشري،
وحفظ النسل، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال وجود تفاهم ومودة ورحمة بين الزوجين.
يقول الله سبحانه وتعالى " ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم
مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون "(1)
وقوله سبحانه
" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "(2)
وإذا ما وقع الخلاف وصعب الوفاق ، شرع إنهاء الزواج
بالطلاق، لكن الإسلام حض على عدم المغالاة أو التعسف في ممارسته، ولتحقيق ذلك عمل
المشرع المغربي على تنظيمه في إطار منضبط ومقنن عبر مجموعة من الإجراءات من أكثرها
أهمية، مسطرة الصلح التي تعد إجراء جوهري وضروري سواء من الناحية الشرعية أو القانونية،
فمن الناحية الشرعية نجد أساسه في الآية 35 من سورة النساء في قوله تعالى"
وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق
الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا"
ومن الناحية القانونية نجد أساسه في المادة 81 "
تستدعي المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح " (3)
لكن رغم الحث الشرعي والتنصيص القانوني على أهمية هذه
المسطرة ، فالواقع جعلها إجراءا شكليا، يغفل فيه الوازع الأخلاقي المرجو منه في
إرجاع المودة والوئام بين الزوجين . " فإلى أي مدى تعتبر مسطرة الصلح في
الطلاق تقويما لمسار الزوجية أم أن الواقع جعلها مسطرة شكلية مغفلة لغاية وجودها؟
|
|
الفصل الأول:
الطلاق بين الفقه الإسلامي ومدونة الأسرة :
المبحث الأول : ماهية الصلح و مشروعيته :
المبحث الثاني :الوصف الشرعي للطلاق و أركانه :
المبحث
الثالث :أنواع الطلاق :
المبحث
الرابع :آثار الطلاق :
المبحث
الخامس :الإجراءات المسطرية على الطلاق والإشهاد عليه :
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire