Responsive Ads Here

vendredi 23 septembre 2016

أصل الثقافة العربية في الشعر الحديث،

المبحث الثاني: أصل الثقافة العربية في الشعر الحديث، وامتداداتها في الدراسات النقدية.
1- العوامل والإرهاصات الأولية لظهور الشعر العربي الحديث.
بعد سقوط بغداد على يد التثار شهد الأدب العربي تراجعا حثيث الخطى على مدى الأحقاب المتتالية، حتى انطفأت شعلته وبهت بريقه ، إلا من وميض باهت ينبعث من حين إلى آخر من بين بحور الظلام، الذي عم الحياة الأدبية بأنواعها المختلفة.
واستنادا إلى حركة التاريخ فقد تبدل هذا الحال أواخر العقد الأخير من القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر، إذ فاق الأدب العربي من سباته العميق، وتحرر من جموده، بفضل النهضة التي أعادت للأدب العربي حيويته ونشاطه، وقد بدأت هذه النهضة بدخول الفرنسيين إلى مصر، تحت قيادة نابليون بونابارت سنة1798 م، فكانت هذه الحملة الفرنسية أول احتكاك واسع ومباشر بين مصر والحضارة الأوربية ، بعد عزلة طويلة فرضها العثمانيون على مصر والبلاد العربية، أدت إلى ضعفها وتخلفها  والسبب الرئيسي في تسمية هذا العصر بعصر النهضة ، هو أن الأدب العربي شعرا ونثرا، قد " نهض في هذا العصر، في موضوعاته وأفكاره وصوره، وأساليبه ولغته، فصار أدبا قويا مزدهرا، يختلف في شكله ومضمونه عن الأدب في العصر العثماني الضعيف المتهالك "(18)

 
 
ولقد بدأت هذه النهضة في مصر ولبنان، لأنهما سبقتا الأقطار العربية، في الاتصال بالحضارة الأوربية، ويقول الدكتور علي شلق : " ولعل مصر ولبنان، كانتا أسبق بلاد العرب إلى مشارف التوعية، وأغزرها عطاء أدبيا، نظرا إلى موقعهما على شاطئ البحر المتوسط، ملتقى حضارات الشرق والغرب، ولما لهما من مكانة علمية وقد ينابيع للمعرفة، يقبل  عليها العطاش من مختلف بلاد العالم، ففي مصر الأزهر العتيد، والجامعة المصرية، وفي لبنان جامعتان آنذاك، ومدارس مختلفة، لزرع الضوء في


الأذهان وأمواج البحر ما فتئت تقدم لهما روادا من الغرب ، وتحمل منهما طلابا إلى مختلف جامعاته"(19).
إلا أن هذه النهضة تحتوي، وتعتمد على قاعدتين عريضتين:
تتجلى الأولى: في الاتصال بالحضارة الأوربية المزدهرة، والثانية في الاتصال بالتراث العربي في أوجه قوته، وقد تم الاتصال بين هاتين القاعدتين من خلال بعض العوامل نذكر منها: التعليم والبحوث والرحلات الطلابية، والهجرة والترجمة.
فلقد قام محمد علي باشا بإرسال البعثات الطلابية إلى أوربا تحت مسؤولية رفاعة الطهطاوي، الذين انصب وعيهم في الانفتاح على جميع الميادين العلمية بكل أنواعها، فكان الهدف منها هو : النهل من ثقافة المستعمر الدخيل، فصار هذا العامل لصالح الأمة، حيث أنشأت مدارس عسكرية ومدنية على الطراز الأوربي ، فمثلث حافزا من جوافز التقدم والرقي، كما عملت على تدريس اللغات الأجنبية ، وإثر ذلك نشطت حركة الترجمة، فاستفادت اللغة العربية من ذلك، وهنا يشير أنيس المقدسي، إلى أن السبب الرئيسي الذي كان وراء التخلف العلمي والفكري في العالم العربي، مرد    بالأساس إلى المد العثماني، الذي كان همه الأول هو توسيع الاستيطان، وبسط نفوذه ، فلم يبلي أهمية للتعليم، فيقول " بينما نرى دول الغرب منذ ذلك الحين تسير في طريق التقدم المادي والفكري، وتحاول الانتفاع  من التجارب العلمية والفنية المستحدثة، نرى تركيا قد توقفت مكتفية بما أحرزته من توسيع، يوم كان التوسع قائما على أساليب الحرب القديمة" (20)
ومن العوامل الأخرى، هناك الطباعة والصحافة، وللطباعة أثر بليغ في التقدم الفكري والعلمي والثقافي خلال عصر النهضة، حيث أحضرت مطبعة إلى مصر كان الهدف منها طبع منشورات وتعليمات عن الشعب المصري، لكن بعد استيلاء محمد علي


 

باشا عليها، عمل على تطويرها فاستقدم لها أحدث الأجهزة ، وعين علماء مشرفين عليها فطبعت كثير من أمهات الكتب.
إلا أن المثير للجدل هنا: هو أن القطر الشامي من العالم العربي ، قد عرف الطباعة قبل هذه الفترة، لكنه لم يوظفها في خدمة العلم، فكان هذا من بين عوائق التقدم والارتقاء الفكري ويحيل إلى هذا قول  أنيس المقدسي.
ظهرت الطباعة في القطر الشامي قبل القرن التاسع عشر، على أنها لم تكن في ذلك القرن ذات شأن يذكر والواقع أنها لم تخدم حركة العلم "(21)
ويتضح لنا بوضوح أثر هذا الاتصال بين الأدب الغربي والأدب العربي بشكل عام والشعر بشكل خاص، ومن مظاهر هذا الاتصال في الشعر ما يلي:
اختفاء بعض الأغراض القديمة، المدح والهجاء، والفخر، بصورها القديمة.
اتجاه الشعر إلى الأغراض القومية، والوطنية والسياسية، والاجتماعية، وارتباطه بالمجتمع ومشاكله.
·       تأثر الشعر بالمفاهيم الجديدة، كالتجربة الشعرية، والوحدة العضوية والفنية للقصيدة.
·       ظهور مدارس شعرية حديثة كالكلاسيكية والرومانسية.
·       تطور بناء القصيدة وامتداد التجديد إلى الأوزان والقوافي.
·       وقد تم أيضا الاتصال بالتراث بتحقيقها، وطبعها، وتيسير الاطلاع عليها.

 
هذه فقط صورة موجزة عن النهضة الأدبية العربية، وعواملها، وهذه الأخيرة هي التي ربطت، بين هذا الأدب، وبين المتبعين اللذين استمدت منهما قوته وازدهاره، ونقصد بهذه الحضارة الأوربية الحديثة، والتراث العربي الأصيل، وللإشارة فإن هذه العوامل، لم تظهر بصورة واحدة في كل الأقطار العربية، لكنها شملت بعض الأقطار عن بعضها، لأنها كانت ضيقة النطاق، فامتدت واتسعت حتى ازدهرت.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire